أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

277

عجائب المقدور في نوائب تيمور

مسترسل اللحية ، أشل أعرج اليمناوين ، عيناه كشمعتين غير زهراوين ، جهير الصوت ، لا يهاب الموت ، قد ناهز الثمانين « 1 » ، وهو مع ذلك بجأش مكين ، وبدن مستمسك متين ، صلبا شهما ، كأنه صخرة صماء ، لا يحب المزاح والكذب ، ولا يستميله اللهو واللعب ، يعجبه الصدق ولو كان فيه ما يسوءه ، لا يأسى على ما فات ولا يفرح بما يجيئه ، وكان نقش خاتمه راستي رستي ، يعني صدقت نجوت ، وميسم دوابه ورسيم سكته على الدرهم والدنيا ثلاث حلق هكذا : لا يجري غالبا في مجلسه شيء من الكلام الفاحش ولا سفك دم « 2 » ، ولا من سبى ونهب وغارة وهتك حرم ، مقداما شجاعا ، مهابا مطاعا ، يحب الشجعان والأبطال ، ويستفتح بهم أقفال الأهوال ، ويستفرس بهم أسود الرجال ، ويستهدم بهم وبصدماتهم قلل الجبال ، ذا أفكار مصيبة ، وفراسات عجيبة ، وسعد فائق ، وجد موافق ، وعزم بالثبات ناطق ، ولدى الخطاب صادق ، قلت : فكم قدحت آراؤه زند فتنة * حمته لدى الباسا وأردت قبائلا محجاجا داركا للمحة وللمزة ، مرتاضا مستيقظا لرمزه ، لا يخفى عليه تلبيس ملبس ، ولا يتمشى عليه تدليس مدلس ، يفرق بين المحق والمبطل بفراسته ، ويدرك الناصح والغاش بدربة درايته ، يكاد يهدي بأفكاره النجم الثاقب ، ويستتبع بآراء فراسته سهم كل كوكب صائب ، قلت : يشاهد أعقاب الأمور بعقله * كما شاهد المحسوس بالعين ناظر إذا أمر أو أشار بشيء لا يرد عنه ، ولا يثني عنان عزيمته عن شيء منه ، لئلا ينسب إلى قلة الثبات ، وركاكة الرأي والحركات ، قلت : وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * ترى أمره في ذاك كالنص قاطعا

--> ( 1 ) - كذا ، وكان الأصح القول السبعين ، فقد ولد تيمور عام 736 ه / 1336 م ، وتوفي عام 807 ه / 1405 م ، وعلى هذا يكون عمره احدى وسبعين سنة هجرية . ( 2 ) - يتعارض هذا مع أخبار تيمور التي تقدم لابن عربشاه عرضها